بين" المكشوف والمحجوب".. هناك الكثير لنتعرف عليه

 

نهال نبيل *

صورتان لثلاث سيدات متشحات بالسواد؛ الأولي تظهر فيها وجوههن واضحة، والثانية لا يظهر بها غير ست عيون من وراء النقاب. كانت هاتين الصورتين ضمن صورًا أخري عرضتها الكاتبة والروائية الهولندية مينيكه شيبر،خلال حفل إطلاق النسخة العربية من كتابها "المكشوف والمحجوب"*، في المركز الهولندي بالزمالك، ضمن إطار فاعليات الدورة الثالثة لمهرجان القاهرة الأدبي.

تحكي مينيكه عن النقاش الذي دار بينها وبين صاحبات الصورتين، اللاتي قابلتهن علي متن عبارة أبحرت بهم من زنزبار إلي دار السلام في تنزانيا، أن السيدات قلن لها إنها ستحترق في نار جهنم إلي الأبد إذا ما استمرت في ارتداء ملابسها بهذا الشكل، وإنها لن تدخل الجنة، لأن الجنة لا تفتح أبوابها إلا للنساء اللائي غطين أنفسهن بالكامل. تقول مينيكه إنها حاولت أن تشرح وجهة نظرها ولكنهن لم يعطينها الفرصة وطلبوا منها أن تأخذ لهن صورة لتعود بها وتُريها لنساء بلادها ليقتدين بهن. ولأن الصورة الأولي أظهرت ملامحهن، طلبوا منها أن تعيد تصويرهن ولكن هذه المرة بعد أن أسدلن النقاب ليغطي وجههن.

 

بين طابع الكتاب الأنثروبولجي وأسلوبها الأدبي انتقلت الكاتبة، التي قضت فترة طويلة تُدَرس الأدب في عدد من الدول الإفريقية، لتتعقب رحلة تغطية الجسد وتعريته فترصد تطور تعامل البشر مع الملابس وتنوع أسباب استخدامهم لها عبر العصور.

ويطرح "المكشوف والمحجوب" تساؤلًا حول الدافع وراء ارتداء الناس للملابس. هل يرتدونها بدافع الشعور بالخزي والعار من إظهار أجسادهم ورغبة منهم في إخفائها؟ وتتبنى منيكيه شيبر رأي الأنثروبولوجيين الذي يُرجع لجوء الناس لارتداء الملابس إلي حبهم للفت الأنظار وجذب انتباه الآخرين، بدليل تعود بعض المجتمعات في أفريقيا وأمريكا الجنوبية علي تلوين أجسامهم وتزيينها في بعض المناسبات كالزفاف والحداد، بينما يمشون عراة في حياتهم اليومية، وهو ما يقابله اليوم رغبة الأشخاص في التباهي عن طريق ارتداء الأفراد للملابس، سعيًا لإبرازنقاط قوتهم وإخفاء ما يرونه عيب في أنفسهم.

 

وبرغم تناول مينيكه لتاريخ التعرية والتغطية بشكل عام، خلال أزمنة وثقافات متعددة، إلا أنها ناقشت بشكل مفصل علاقة المرأة بالملابس وعلاقة المجتمع والذكور المتحكمين فيما ترتديه النساء، فصنعت لملابس النساء بالتحديد مساحة واسعة مبرزة ما يدور حولها من جدل؛ هل يجب أن تغطي النساء رؤوسهن أم لا؟ ملابس النساء طويلة جدًا تنم عن رجعية، أو قصيرة وكاشفة جدًا تنم عن انحلال واضح؟ نادرًا ما يهتم أحد برأي المرأة في هذا الشأن فالكلمة الأولي للمجتمع فإذا كانت تسيطر عليه ديكتاتورية المعلنين، تُدفع النساء إلي إفراغ أجسادهن، ويحدث العكس إذا ما كان الدين هو القوة المسيطرة. وفي كلتا الحالتين حسب قول مينيكه، تخضع الأغلبية للقواعد.

 

 

تقول الكاتبة الهولندية، إن فكرة الكتاب جاءتها لأول مرة أثناء عملها علي كتاب "آدم وحواء في كل مكان"، الذي تعرضت فيه للحكاية كما وردت في اليهودية والمسيحية والإسلام، حيث اجتمعت الأديان الثلاثة علي ضرورة تغطية عورات كل البشر كفريضة، فحسب الرواية التي أجمعت عليها الأديان الثلاثة، فإن آدم وحواء شعرا بالخجل لأول مرة وشرعوا في تغطية أنفسهما بعد أن أكلا من الشجرة المحرمة التي تسببت في طردهما من الجنة التي اعتادا أن يمرحا فيها عاريين.

وبالنظر إلي غلاف الكتاب في نسخته الهولندية تظهر ساقي امرأة مكتوب عند كل طول محتمل لتنورتها ما قد يطلقه عليها المجتمع من ألقاب وأحكام مسبقة، فإذا طالت التنورة صارت محافظة بشكل زائد عن اللازم وإذا قصرت عن حد معين أُلصق بها لقب عاهرة وفي الحالتين لا يرضي المجتمع عن صاحبة التنورة. بينما في غلاف النسخة العربية ينقسم جسد المرأة إلي جزئين، العلوي منه يختفي وراء نقاب بينما في الجزء السفلي تظهر ساقان مكشوفتان.

 

غط هذا الصدر الذي لا يجب أن أراه، مثل هذه الأشياء تجرح النفوس.

موليير

وكما اتجه البشر إلي استخدام الملابس للفت الأنظار واعتمد عليها آخرون ليتقربوا إلي الله، ظهر تجلي جديد لاستخدام الملابس عن طريق التخلي التام عنها كأداة احتجاج، ففي حين اعترض البعض علي عدم احتشام البعض الآخر من وجهة نظرهم. اعتمد آخرون علي التعري للتعبير عن غضبهم أو اعتراضهم، ليقينهم أن هذا الجسم العاري - لو كان لامرأة علي الأخص - مثله مثل الجسم المغطي من الرأس إلي أخمص القدمين سينجح في لفت أنظار عموم الناس الذين يرتدون ثيابهم بما فيهم رجال الدولة ورجال الدين

عرض الكتاب تاريخ تطور البشرية منذ أن كانت عارية لا ترتدي شيئًا، لتصل اليوم إلي عدد لا حصر له من القواعد المكتوبة وغير المكتوبة من مختلف البلاد والثقافات والأزمنة والتي يعتمد الناس عليها لتصنيف بعضهم البعض بين عفيف محترم أو فاسق، فالملابس تساعد الناس علي أن يتعرفوا علي ميول الشخص وتوجهاته وانتماءاته، وعن طريقها قد يحكم عليك من حولك. وكي يستطيع الجميع أن يتعاملوا مع كل هذه التنوعات عليهم أن يتقبلوا اختلافات بعضهم البعض ويقبلوا أن يعيشوا سويًا دون أن يتعدوا علي الآخر أو يقوموا بالحط من قدره والنظر إليه علي أنه أدني مرتبة.

 

·   صدرت النسخة العربية من كتاب "المكشوف والمحجوب"، بترجمة الشاعر والمترجم عبدالرحيم يوسف،  عن دار صفصافة للنشر بالقاهرة .

·     أُنجز التقرير خلال ورشة "الكتابة المتخصصة" للصحافة الثقافية، التي أقيمت على هامش الدورة الثالثة من مهرجان القاهرة الأدبي بدعم من بروهلفتسيا.

 

·      نهال نبيل: كاتبة مصرية، من مواليد القاهرة عام 1993، درست الاقتصاد والعلوم السياسية، وعملت كباحثة في عدد من منظمات حقوق الإنسان.