المرأة عبر ألوان الطيف في مهرجان القاهرة الأدبي

 

محمد خالد *

 

في اليوم الثاني من فعاليات مهرجان القاهرة الأدبي، الذي انطلقت دورته الثالثة 11 فبراير الماضي، جلست إيمان مرسال في مسرح روابط، تقرأ على الحاضرين، عن علاقتها بنفسها كامرأة، كيف كانت قبل هجرتها إلى كندا، وتخبرهم عن صورة أمها التي فقدتها وهي طفلة وعن قريتها ميت عدلان التي ترعرعت فيها.

وقبيل انطلاق المهرجان، أعلن مديره التنفيذي، الناشر محمد البعلي، خلال مؤتمر صحفي، أن الدورة الثالثة التي جاءت تحت شعار "المرأة حبر الكتابة وروحها"، تهدف لإحداث "تبادل ثقافي واسع بين الكاتبات المشاركات، الخارجات من خلفيات ثقافية متنوعة"، وربما لم تكن مرسال، وهي تقرأ من دواوينها الشعرية، تدرك أنها تفسر كيف يمكن أن تتقاطع كتابات نساء آتيات من آسيا وإفريقيا وأوروبا وأمريكا الشمالية، يحملن تجاربهن الإبداعية إلى القاهرة لمشاركتها مع جمهور الحاضرين.

وبالرغم من اتساع برنامج المهرجان لموضوعات أخرى، كالتركيز على الترجمات المتبادلة بين اللغة العربية ولغات أخرى كالسلافية والتشيكية وأداب منطقة البلقان، والالتفات إلى التجارب الإبداعية في منطقة الخليج العربي، إلا أن الحضور الأدبي للمرأة كان هو المهيمن على فعاليات الدورة الثالثة.

 

"ليس أدب المرأة ولكن حساسية المرأة الكاتبة" –مها حسن

في أمسية الافتتاح، التي أدارتها الصحافية دينا قابيل، تحت عنوان "الإبداع النسوي والتحولات الاجتماعية"، تحدثت الروائية مها حسن عن إشكالية تأثير هويتها السورية عليها كامرأة كاتبة "كنت أرى أنني أواجه العالم بهوية مها الكاتبة، والآن أجد نفسي مرغمة على الظهور بهوية مها السورية"، وتساءلت عن معنى الكتابة في ظل هذا العنف واللاجدوى والعبث الدائر في وطنها، وهو الرأي الذي اتفقت معه الروائية المصرية منصورة عز الدين، مؤكدة أنه "من الصعب الكتابة في وقت الأزمة"، فقد رأت صاحبة "أخيلة الظل" أنه لا يوجد كاتب أو كاتبة لم يتساءلوا عن جدوى الكلمات والكتابة في وقت مثل ذلك، لكن مها، التي أصدرت روايتين منذ اندلاع الثورة السورية رأت أن "الإبداع، الكتابة تنتصر في النهاية"، مضيفة أن "هنالك دور للنساء ككاتبات في تبني دور الحكي والرواية في زمن الموت الحقيقي".

من جهة أخرى أبدت منصورة تحفظها على مفهوم أدب المرأة، الذي يطلق بمعزل عن مفهوم الأدب بشكل عام، ذلك لأن المرأة لم تكتفِ بالكتابة في مجال إبداعي واحد، فكتابتها "انتصار للصوت المُغيّر، الصوت غير المروى والمُغيّب منذ عقود وسنوات"، فيما ترى مها حسن أن هويتها كامرأة كاتبة "قد منحتها مفاتيح للدخول لعوالم جديدة لم تطرق من قبل".

 

المرأة أول كاتبة عرفها التاريخ

 

وفي أمسية مختلفة، حملت عنوان "الكتابة النسائية المعاصرة"، تضيف الروائية الكندية "كيم إكلين"، إلى حديث مها حسن، أن المرأة لا تمتاز على الرجل فقط بفضل قدرتها على الدخول بنصها إلى عوالم أخرى لن يستطيع الرجل وطأها، وإنما في أسبقيتها إلى دخول عالم الكتابة من الأساس، فعلاقة المرأة بالأدب، بحسب إكلين، ضاربة عبر التاريخ حيث "دوّنت راهبات سيدات أول شعر مكتوب عرفته البشرية"، مشيرة إلى أسطورة الإلهة "إنانا"، إلهة الحب والجمال في الميثولوجيا السومرية بالعراق، التي صورت المرأة "ككاتبة مقاومة عبر التاريخ".

فيما أشارت الكاتبة البريطانية "لويزا يونج"، خلال الجلسة نفسها، إلى أن بعض الكاتبات، في القرن التاسع عشر، لجأن للكتابة تحت أسماء ذكورية مستعارة من أجل النشر، موضحة أن القارئ الأوروبي في هذا الوقت لم يكن ليتقبل فكرة أن يقرأ لامرأة، "مرت الخدعة ولم يعرف القارئ أن "ماري آن" و"الأخوات برونتِ" قد كتبن تحت أسماء مستعارة لرجال، فالكتابة لا يمكن أن تحتمل هذا المفهوم الهويّاتي".

 

النسوية كموضوع

 

وربما تطرح إشارة الكاتبة البريطانية تساؤلا حول منطقية تصنيف الأدب الذي تكتب المرأة على أنه أدبًا نسويًا، وهو الأمر الذي تلتفت إليه الكاتبة المصرية أمنية طلعت معربة عن انزعاجها من الكتابات المطروحة وفق هذا المفهوم، فبالرغم من ارتباط كتابات المرأة بأفكار نسوية، لا ترى صاحبة "نسائي الجميلات" كتابتها كذلك، وتشير أمنية إلى أنها ولدت في عائلة تعطي فيها المرأة قدرها، وترى أن على المرأة التحرر من كل صورها المُتخيّلة "سواء بصورتها المقدسة كأم وربة منزل، أو صورتها المهينة كعاهرة، فهي مستخدمة في الحالتين".

واتفقت معها الكاتبة الأمريكية "ماريسا سيلفر"، التي قالت إنه بالرغم من ولادتها بين عائلة تحمل ميول نسوية، لكنها لا تعد نفسها "امرأة كاتبة بقدر ما ترى نفسها كاتبة فقط"، ولكن ماريسا، التي كتبت "ماري كوين" و "القليل من اللاشيء"، استدرجت في روايتيها موضوعات نسوية لإنجاز أدبًا لا ترى أنه ينتمي للأدب النسوي، ولكنها تقول في الوقت نفسه "لم أكن لأكتب هذا الكتاب لو لم أحمل جسد امرأة".

 

النسوية كمشروع

 "من الذي يحدد أنني حرة؟ هل السلطة التي تحدد ذلك؟" كان ذلك تساؤلا للكاتبة النرويجية لين ستالسبرج على لسان مترجمتها د. شيرين عبد الوهاب، والتي لم تخف ميولها النسوية اليسارية، خلال حفل إطلاق الترجمة العربية من كتابها "هل أنا حرة؟" الصادر عن دار نشر صفصافة، مضيفة أنه على كل سيدة في العالم أن تطرح على نفسها هذا السؤال. وترى ستالسبرج أن "الرجل هو الذي يضع مفهوم حرية المرأة، وليست النساء أنفسهن".

 

سؤال الجندر والمثلية الجنسية

 

وفي أمسية أخرى قرأت الكاتبة السلوفينية "سوزانا تراتنيك"، مقاطع من مجموعتها القصصية "متوازيات"، التي صدرت باللغة العربية عن دار صفصافة، من ترجمة محسن الهادي ومارجيت الهادي.

وتحدثت سوزانا عن قصصها الخارجة في مزج بين تجاربها الذاتية كطفلة وبين الخيال، وبرغم أن أبطال القصص كانوا من الأطفال، تطرقت سوزانا في موضوعاتها إلى اضطرابات الهوية الجنسية لديهم، فهناك مارينا التي لا ترى نفسها سوى يوحنا المجنون في قصة "أرجوك، كفى.. لا تمثلي يوحنا"، وكذلك ماريا والطفل في قصة "مملكة الحيوان" الذي يكتشف القارئ في نهايتها أن هذا الطفل ما هو إلا طفلة في السادسة من عمرها، ما يمكن أن يعكس رؤية الكاتبة الحاصلة على درجة الماجستير في "أنثروبولوجيا الجنس"، في مسألة تحديد الفرد لهويته الجنسية، حيث تقول "في المجموعة هناك على الأقل ثلاث قصص يمكن التعرف فيها على الحب المثلي، ولكنها كتبت من منظور طفل، حيث أن الإحساس الجنسي يختلف، وتحديد الاتجاه لم يتضح بعد".

 

 

وجوه

 تنقل إيمان مرسال عن يوميات الشاعرة الأمريكية أدريان ريتش في كتابها الأحدث "كيف تلتئم"، أنه "من وقت لآخر يسألني أحدهم: "ألم تكتبي قط قصائد عن أطفالك؟". لقد كتب الشعراء من جيلي قصائد عن أطفالهم- عن بناتهم خصوصًا. بالنسبة إليّ، الشعر يوجد حيث لا أكون أُمًا لأحد، حيث أوجد كنفسي". عبر هذا النص القصير لريتش، وعبر أمسيات المهرجان، يمكن أن نفهم هذا التباين، بين الوجوه المتعددة للمرأة في مواجهتها للحياة؛ هنالك تفاعل ما دائم يمكن أن تحلله الكتابة إلى مفرداته الأولية.

 

·      أُنجز التقرير خلال ورشة "الكتابة المتخصصة" للصحافة الثقافية، التي أقيمت على هامش الدورة الثالثة من مهرجان القاهرة الأدبي بدعم من بروهلفتسيا.

·      محمد خالد: كاتب وصحفي مصري حر، من مواليد الإسكندرية عام 1991، كتب في عدد من الدوريات الصحفية والمواقع الإلكترونية العربية، مثل السفير اللبنانية، ورصيف 22، والتقرير، والكتابة.

 
 

"المرأة حبر الكتابة وروحها" شعار الدورة الثالثة من "مهرجان القاهرة الأدبي"

 

تنطلق يوم السبت (11 فبراير 2017) الدورة الثالثة من مهرجان القاهرة الأدبي الدولي بمشاركة أكثر من 50 أديبا ومتحدثا من 18 دولة.

اِقرأ المزيد...

أدباء من 15 دولة في الدورة الثانية لمهرجان القاهرة الأدبي

 
تنطلق الدور الثانية من "مهرجان القاهرة الأدبي الدولي هذا العام يوم 13 فبراير المقبل بمشاركة أدباء من 15 دولة من أفريقيا وآسيا وأوروبا والأمريكتين.
 
وسيتم إعلان جدول المهرجان والقائمة النهائية للأدباء المشاركين بهالأسبوع المقبل.
 
ومن المتوقع أن تقام فعالياته في القاهرة الإسلامية والقاهرة الخديوية (وسط البلد) والمعادي وكلية الألسن.
 
ويشارك في الدورة الثانية من المهرجان أيضا عدد كبير من الأدباء المصريين على رأسهم أ. إبراهيم عبدالمجيد وأ. صنع الله إبراهيم.