روبرت فالزر.. نزهة طويلة لرجل وحيد

 

معتز حسانين *

 

 

أحب روبرت فالزر النزهات، والتجول وحيدًا لفترات طويلة. وفي ليلة الكريسماس من عام 1957 ربما شعر برغبة في السير بمفرده، أو ربما ناداته أشباحه، فتسلل خارج المصحة النفسية، التي كان يقيم فيها، ليلبي تلك الحاجة في نزهة ليلية أخيرة، وبعد ساعات تعثر طفلان في جسده، كان ممدًا وسط الحقل الثلجي البارد، وقد فارق الحياة بسبب نوبة قلبية.

 

بدا موت فالزر، على نحو مثير للغرابة، شبيه بموت "سيباستيان" أحد شخصيات روايته الأولى "الدباغون The Tanners"؛ فحين جلس "سيمون" يحدث جثته التي عثر عليها في حقل ثلجي، بعد أن وجد دفترًا ممتلئًا بأشعاره وقصائده، قال له:"أيها العزيز سيباستيان، سآخذ قصائدك إلى أحد الناشرين فربما يقرأها، وينظر في مسألة نشرها، كي يبقى اسمك المسكين اللامع الشجي في هذا العالم". وفي اللحظة التي مات فيها فالزر، كان مجهولًا، طواه النسيان وأسقطته الذاكرة، وكان في حاجة لصوت، لشخص يعيد اكتشافه، ويعيد تقديمه للعالم.

 

ولد فالزر في مدينة بيال بسويسرا عام 1878، لأسرة كبيرة العدد. كان ترتيبه السابع بين ثمانية أخوة، ويدير والده متجرًا صغيرًا لبيع الأدوات المكتبية، وفي عمر الرابعة عشر تم إخراجه من المدرسة لضائقة مالية، فالتحق متمرنًا في أحد البنوك، إلا أنه هرب بعد فترة إلى مدينة شتوتجارت الألمانية سعيًا نحو تحقيق حلمه الوليد "أن يصبح ممثلًا"، لكن ذلك الحلم سرعان ما تحطم خلال تجربة أداءه الأولى، إذ وصفوه بالمتخشب والخالي من التعابير. فقطع بعدها وعدًا على نفسه بأن يصبح شاعرًا وكاتبًا.

بدأ روبرت ينتقل من عمل لآخر بينما يمارس الكتابة، لتظهر قصائده وأعماله النثرية للمرة الأولى بين عامي 1898 و1899م في صحيفة الاتحادDer Bund.

 

قصص برلين

 

في العام 1905 كتب فالزر لأحد أصدقاءه من مدينا بيال، قائلا:"أنا على وشك أن أكتب كثيرًا لدرجة أن هسه وكو سيصيبهما الرعب". كان عاقدًا العزم على العودة إلى برلين والاستقرار فيها بشكل دائم، وكانت تلك المرة الثالثة التي يتخذ فيها مثل ذلك القرار، ففي المرتين السابقتين، كان يكتفي بقضاء بضعة أسابيع ثم ما يلبث أن يعود إلى زيورخ، لعدم مقدرته على إعالة نفسه من الكتابة.

 

كانت برلين في ذلك الوقت تمر بمرحلة من النمو والازدهار، وتعد واحدة من أكثر المجتمعات نشاطًا في أوروبا، وكانت أحياؤها الأنيقة تنافس مثيلاتها في باريس، وقبل عدة سنوات من قدوم روبرت فالزر إلي برلين كان أخيه كارل قد ثبت أقدامه هناك، وتمكن من أن يحقق لنفسه مكانة كرسام ومصمم للمناظر، حيث تعاون مع أحد أشهر المخرجين المسرحيين في ذلك العصر "ماكس رينهاردت Max Rennihardt"، والشاعر كريستيان مورجنسترن في رسم لوحات مجموعته Gallows songs، بالإضافة إلى تعاونه مع الناشر سامويل فيتشر، وضمنت تلك الشهرة لروبرت الدخول إلى دائرة حصرية من المثقفين والفنانين الألمان، وبدأ بعضهم يهتم به بالفعل.

وكان فالزر واعيًا بالمكانة التي حققتها المدينة الألمانية، وفي الوقت نفسه مدركًا للوضع المضطرب الذي يعاني منه بعض الأدباء هناك، وقد انعكس ذلك على أعماله، ففي مجموعته "قصص برلين Berlin Stories"، عرضها كمدينة مفتوحة للفرص واحتمالات التحقق الفنية، لكنها بدت في الوقت نفسه أرضًا مسرحًا لقصص الحب الفاشلة، والفنانون الذين لم يدركهم النجاح، والبشر المنعزلون والمنبوذون من جيرانهم.

 

وبالرغم من ذلك أصبحت برلين بمثابة وطنًا ثانيا لروبرت، حيث أنجز، على مدار سبع سنوات قضاها هناك، أربع روايات، بقيت منها ثلاث فيما فقدت واحدت، وهي: الدباغون "The Tanners" عام 1907، والمساعد "The Assistant" عام 1908، وجاكوب فون جونتن "Jakop Van Gunten" عام 1909، بالإضافة إلى العديد من القصص والقطع النثرية، وقد جعلت تلك الكتابات من فالزر واحدًا من أكثر الأصوات الحداثية الأوروبية تفردًا وإبداعًا، مما عده النقاد واحدًا من سادة النثر في أوروبا.

وقد تحقق له قدر من الشهرة، وأعجب به مبكرًا عدد من الأدباء من معاصريه مثل روبرت موسيل وفرانز كافكا وستيفان زفايج، أما هيرمان هسه فلم يرتعب من كتابات فالزر –كما كتب الأخير في رسالته- إلا أنه أعجب بقصصه ونثره فقال عنه "لو كان لديه 100 ألف قارئ لغدا العالم مكانًا أفضل".

 

كان تأثير كتابات فالزر قويًا وبصفة خاصة على كافكا الذي كان معجبًا ومتحمسًا له، وبدا ذلك الأثر واضحًا في كتابات الأخير، حيث تصفه "سوزان سونتاج" بأنه الحلقة المفقودة بين كلايست وكافكا، ولا يذهب موسيل بعيدًا عن هذا إذ يقول أنه كان يقرأ كافكا على أساس أنه حالة خاصة من فالزر، بل أن إلياس كانيتي، الحائز على جائزة نوبل للآداب وصاحب كتاب " محاكمة كافكا الأخرى"، يقول جملة لافتة للنظر "إنه لا وجود لكافكا بدون فالزر."

 

 

رحلة الانزواء والنسيان

 

الكتابة مهنة صعبة، وأن تؤمن معيشتك منها أمر أكثر صعوبة، وكان فالزر يعاني من تلك الإشكالية كثيرًا، وقد عبر عنها في قصته "الشعراء"، التي بدأها بسؤال جاد أتبعه بإجابة مفعمة بالسخرية السوداء:"كيف يدبر مؤلفو الإسكتشات، والقصص، والروايات شؤونهم فى الحياة، يمكن أو يجب إعطاء الإجابة التالية: إنهم متشردون ومفلسون".

 

ولكن ضيق العيش لم يكن المؤرق البرليني الوحيد لحياة فالزر، إذا بدا أن ضجر من نمط المدينة الصاخب، وأخذ يأنس بالعزلة، فهجرها عائدًا مرة أخرى إلى سويسرا عام 1913، وهناك مكث في حجرة بفندق بمدينة بيال بالقرب من أخته، وخلال 7 سنوات كتب روايتين أخريين، هما: "ثيودور" والتي فقدت عن طريق الناشر، و"توبلد" التي دمرها بنفسه.

 

وفي الوقت الذي كان يكدح ويكافح خلاله بشدة متنقلًا بين وظائف وضيعة، بدا بريق أعمال يخفت، لكنه استمر في الكتابة وبدأ يطور من أسلوبه ليكون أكثر تكثيفًا، فابتدع قطع نثرية صغيرة، أطلقت عليها اسم "Microgramme"، وسميت بذلك بسبب طريقته في كتابتها بأحرف صغيرة جدًا، مما جعلها عصية على التفسير.

 لكن تلك الأجواء الثقيلة، العزلة والفقر الذين مر بها، كانت كفيلة بأن تضغط عليه، أن تجعله يدخل في دوامات من الاكتئاب والهلاوس والكوابيس دفعته للقيام بعدة محاولات للانتحار.

 في النهاية وبحلول عام 1929 دخل بإرادته مصحة فالدوا العقلية بعد إصابته بانهيار عصبي وتم تشخيص حالته بالفصام. وعندما عادت حالته العقلية للاستقرار أخذ يكتب وينشر أكثر عن طريق الصحف والمجلات.

 وعند نقله ضد إرادته في عام 1933 إلى مصحة سنتريوم في هيريزاو (شرق سويسرا) انقطع فالزر عن الكتابة وحتى نهاية حياته.

وخلال إحدى نزهاته في المستشفى، سأله صديقه والواصي القانوني عليه " كارل سيليغ"، إن كان ينوي الاستمرار في الكتابة، فأجابه فالزر "لست هنا لأكتب، لكن لأصبح مجنونًا".

بالطبع لم يجن فالزر، بل تم تأكيد خلوه من أي أعراض خارجية لأي مرض نفسي لفترة طويلة إلا أنه رفض وبطريقة متكررة أن يترك المصحة.

 

إرث فالزر الخالد

 

وبعد وفاة فالزر، تحديدًا في السبعينات أعيدت طباعة مجمل أعماله، ليصبح مؤثرًا من جديد على العديد من الكتاب السويسريين والألمان المعاصرين مثل رو وولف وبيتر هاندكه، ودوروتي الميغير، ويورج أمان، والأسباني إنريكي فيلا ماتس، حيث تقول الكاتبة السويسرية دوروتي "أن فالزر لا يزال يفتن الأجيال الجديدة من الكتاب من أمثالي".

ومثل شخصيته المختلقة سيباستيان، الذي كان بحاجة لمن يأتي ويزيح الغبار عن أعماله، ويعرف العالم بإرثه، فإن كتابات روبرت فالزر ستظل حاضرة ومؤثرة، تنتظر من يلتقطها ويقدر قيمتها.

 

·      أُنجز التقرير خلال ورشة "الكتابة المتخصصة" للصحافة الثقافية، التي أقيمت على هامش الدورة الثالثة من مهرجان القاهرة الأدبي بدعم من بروهلفتسيا.

·      معتز حسانين: كاتب وصحفي مصري من مواليد عام 1991، صدرت روايته الأولى "صانع الأحلام"، عام 2015، عن دار نهضة مصر بالقاهرة، ونُشرت قصصه ومقالاته الأدبية في عدد من الدوريات الثقافية العربية.