كلمة الكاتب الليبي الكبير إبراهيم الكوني في افتتاح الدورة الثانية من المهرجان

سَادِنُ هذه الحياة

 )مداخلة المؤلف كضيف شرف في الدورة الثانية لمهرجان القاهرة الدولي للآداب(

  

(1)

 

الأدب كفعل مقاومة: مقاوم للموت، مقاوم للإرهاب، للظلم.. الأدب حياة!

 

أعترف بأنّي فكّرت أن أعتذر عن قبول المشاركة في هذه التظاهرة ساعة تلقّيت هذا التحديد كعنوان لفحوى المهرجان، لأني لم أملك إلاّ أن أتساءل: ما الجديد الذي يستطيع إنسانٌ إعتزل العالم منذ عقود مثلي أن يضيفه لموضوعٍ أضحى باطل المفعول بسبب الإسراف في الإستعمال، ناسياً أن الحياة هي تلك السيرة الملغّزة في الفحوى، الثريّة في ترسيمة الاستسرار، التي إذا كانت قابلة لأنّ تفنَى كغنيمة فَرْدٍ، بيد أنها كفعل غير قابلة لأن تبيد، سيّما عندما تَرِدُ كمبدأٍ معطوفٍ على شأنٍ كان في تجربتي قدراً، كما هو الحال مع الأدب الذي حوّلته العادة في دنياي مسلّمةَ؟

كان بالإمكان أن أضع هذا الاعتذار موضع التنفيذ لو لم يهرع لنجدتي يقيني القديم الذي يقول يقول: احترس! فأينما تبدّت مُسَلّمة فثمّةَ شَرَكٌ، وأينما وُجِد الشَرَك فثمّة كنز!

هذه القناعة هي ما قادني لأن أستنطق المسلّمَة، عملاً بوصيّة هايدغر التي تقول: "إذا لم نستنطق عميقاً ما هو كائن، فلن نفلح أبداً في الانتماء إلى ما سيكون".  فأن يكون "الأدب حياة" هو الترجمة الأمينة لأن تكون قيمة الحياة هي رسالة كل أدب، في حين يستبسل منطق التَّوْرِية، الذي هو هديّة في كل مسلّمة، لحجب الرؤية عن مريد الكنز. هذا الكنز الذي يسكن حرف الروتين الذي يجعلنا نألف رموز وجودنا، بحيث تغترب في الرموز فتنة الوجود، تماماً كما يحدث في علاقتنا بمحيطٍ بيئيّ الأمكنة فيه مثال. فالمكان الذي نحلّ فيه أضيافاً هو في بداية عهدنا به فردوس، لأن فتنة الفُجاءة فيه تُبهرنا في حلفها مع حداثة عهدنا بالمكان، ولكن هذا المكان يغترب فيه حضور الفردوس ما أن نألف المكان ليتحوّل فيه كل شيء بحكم العادة مسلّمةً، فتتبخّر الفتنة، ويلفظ الجمال فيه أنفاس النزع الأخير، وتهجره القيمة نهائياً، ليغدو فردساً مفقوداً بعد أن كان فردوساً قيد الوجود. وأحسب أن علاقتنا بالحياة لا تختلف في جوهرها عن علاقتنا بالمكان، لأننا ننسى أن الحياة هبة استثنائية نلناها على سبيل الإعارة، لا على سبيل الملكية، أي أنها مشروطة باستردادٍ، في أمدٍ مّا، سيحلّ حتماً مهما حاولنا أن نخدع أنفسنا في حمّى حياتنا المؤجّلة، فنتجاهل فيه الميعاد. وهو ما يعني أن الحياة صفقة وقتيّة. الموت فيها صاحب الكلمة النهائية، لأنّه هوية معصومة بحكم الانتماء إلى الأبدية، في مقابل حكم الهوية الوقتية. وإحساسنا بالحياة كـملكية هو ما يجعلنا نأمن الزمن فلا ننتفع بالكنز كهبة نلناها بمشيئة المجّان، لنستخدمها كما يقتضي ناموس الصفقة، ولكننا نطمئن إلى وجودها في ملكيّتنا كمجرّد كنز تغترب فيه القيمة بسبب انعدام الاستعمال، وعندما نستيقظ من غفلتنا نكتشف أننا استهنّا بالقيمة في اللقية (هذه اللقية الملقّبة في معجمنا باسم السعادة) التي لا تقدّر بثمن إلاّ لأنّها لا توهَب مرّتين أبداً، ولكنها يقظة الأوان الذي فات.

فأين موقع الأدب في واقعٍ محمومٍ بروح المكيدة، مبلبلٍ بالظمأ إلى الغنيمة، متنكّرٍ لهوية كانت فيه بالأمس قيمة؟

ألن يكون الأدب فارس الأمل الوحيد الذي سيبطل مفعول الطلسم الذي كبّل به المسخ أنفاس طيبة، ليستعير مواهب سادن الحرم الذي سيأخذ على عاتقه وزر استحضار الله الذي اغترب؟

أعتقد أن هذا السؤال هو بمثابة الوتر الجدير بأن يكون المفتتح في أنشودة معزوفة المقاومة التي ترد كبندٍ ثانٍ في شعار هذا المحفل.

 

(2)

 

يستطيع سادن الحرم أن يتنازل عن الحرم إذا استدعت الضرورة ليلتحق بركب المقاومة: المقاومة في بُعْدها التجريبي أيضاً إلى جانب بُعْدها الطقسي، لأنّ الفعل في الحياة أيضاً شِعر إذا اعتنق الواجب ديناً، ومقاومة الشرّ رأس كلّ واجبٍ، دون أن ننال بالطبع من سلطة مبدأ غيبيّ نصّبه القدماء أيضاً ربّ فعل كما هو الحال مع النصّ.

فسلطة النصّ هي غنيمة سلطانٍ مطلق الصلاحية، وخالد بطبيعته كطاقة وجدانية مجبولة ببصمة القداسة، مقابل حجّة مخلوقٍ عاجزٍ، وفوق ذلك فانٍ، اسمه الشخص الذي أبدع النصّ

بوسع صاحب النصّ أن ينزل ساحة النِّزال شخصاً أيضاً إذا شاء، كما فعل همنغواي في الحرب العالمية، أو في الحرب الأهلية الإسبانية، أو كما فعل أندريه مالرو في الحرب الأهلية الصينية، أو كما فعل شولوخوف في الحرب الوطنية ضدّ الفاشيّة، ولكن إذا حكّمنا في المعادلة جناب النصّ، أو مفعول النصّ، بالمقارنة مع مبادرة الشخص كصاحب نصّ، فسوف نكتشف أن سلطان "لمن تُقرع الأجراس" أقوى مفعولاً من فعل همنغواي كشخص، و"قدر وجود الإنسان" عمل أعظم شاناً من مآثر أندريه مالرو في حرب الصين، و"مصير إنسان"، في حال شولوخوف، وثيقة إدانة في حقّ الحروب ولكنّها أقلّ شأناً من "الدون الهادي" المستوحاة إلهاماً من الحرب الأهلية الروسية وليس مشاركةً؛ لأن ما يبقى من نشاط الإنسان، ليصير تالياً غنيمة الأجيال، ليس الحرف، ولكن فحوى الحرف، أي الموقف من وجودٍ لا خلود له، ولا حول له، ليتحوّل أمثولة متوارثة، إلاّ بروح الفعل المبثوث بطبيعته في النصّ، القادر أن يكون خليفةً بعد فناء الشخص. وهو ما لن ينفي عن الملحمة نَفَس التجربة بالطبع، التي تُعلي شأن القيمة الأخلاقية، إلى جانب القيمة الجمالية، عملاً بالوصية القائلة بأن للشجعان فقط يبتسم الحظّ، لأن إرادة الحرية هي ما لا يُهزَم. تلك الحرية التي كانت منذ الزل عَصَبْ الأدب، ولكن أجرَمَتْ في حقّها السياسة عندما اختزلتها في حرفٍ ميّت، ومُعادٍ للحقيقة، كالأيديولوجيا.

 

(3)

 

فالأدب، إذا كان السليل الشرعي للميثولوجيا، فإنه النقيض الحقيقي للأيديولوجيا. فمن روح الميثولوجيا لم يولد الأدب وحده، ولكن وُلد اللاهوت أيضاً، وتدخّل الأيديولوجيا هو ما زعزع اللاهوت دوماً ليحوّله في حياتنا إلى طاغوت.

ذلك أن ما يهمّ الأيديولوجيا ليس الحقيقة التي تسرح في بُعْد الحرية، ولكنها الحقيقة التي تتوهّم هذه السعلاة بأنها تمتلكها، ناسية في حمّى حَمْلتِها أن الحقيقة هي ما لا يُمتلك. الحقيقة لا تحتمل الاحتكار، في حين لا تقنع الأيديولوجيا إلاّ بالاحتكار ديناً. فالأيديولوجيا جنسٌ من مسّ. من سُعار. من لوثة ذات بُعْد خاصّ. ولهذا لا تمسّ شأناً من شئون عالمنا إلاّ وتناله اللعنة، ويحلّ فيه باطل الأباطيل. يحلّ فيه حرفيّاً وليس مجازياً، بدليل أنها لم يحدث أن تبنّت مشروعاً أو قضيّة إلاّ ودبّ فيها الشلل، وباءت بالفشل. اللاهوت نفسه اغترب فيه اللاهوت بفعل الأيديولوجيا. اللاهوت نفسه تنكّر لفحواه وغاب فيه الله، بسبب الأيديولوجيا. وإلاّ بأيّ حقّ ينقلب الحب، الذي هو رأس مال كل دين، ليتحوّل بُوقاً يُسوِّقُ القتلَ، ويُشَرعِنُ الأكذوبة، ويسفّه كل الوصايا العشر، لو لم تكن هذه الجنيّة هي عرّاب هذا الاغتراب؟ كيف نتسامح مع أيديولوجيا تنصّب نفسها ربّاً يغتصب صلاحيات الربّ، ليروّج في الأرض فتوى عدمٍ لم يعترف به الربّ قدراً لخليفة الربّ على الأرض؟ هل كانت الأيديولوجيا لتفلح في مكيدتها ضدّ الحياة لتُدخِل الناس في دين الإرهاب أفواجاً لو لم تمهّد لها السياسة السبيل يوم اعتمدت الأخيرة الحرف ناموساً، لا لتحريف الديانات وحدها، ولكن لتحريف الوجود أيضاً؟ ألم تكن السياسة هي العون الذي هرع لنجدة الأيديولوجيا التي تتشدّق بالدِّين يوم سخّرت لها تقنية المعلومات مطيّةً، لتدنّس مفهوم هذا الاختراع، المستعار أصلاً من كلمة يونانية تحمل مدلولاً مزدوجاً ليس البُعْد التقني فيه إلاّ فرع من شجرة الجذر فيها هو الروح الشعرية التي تستخرج المستبطن، لتجسّده كياناً قائماً في الظاهرة، وهو ما يعني الإبداع حرفياً؟ أيُعقل أن نقبل بأن تتحوّل المعلومة أكذوبةً مسعورة، تسري في شرايين التقنية، بدعوى حرية التعبير، ككلمة حقّ أُريد بها الباطل؟ كيف تتعايش الحرية مع الأكذوبة تحت سقف واحد؟ كيف تتحوّل التقنية مطيّة لرذيلة كالأكذوبة، وهي التي اشتقّ منها الاسم الجليل الذي يزاوج بين تحرير كل ما استخفى في الوجود، وتنصيبه ملكاً على عرش الوجود، ليحمل بهذا الفعل تاج الحقيقة عالياً، ليكتمل فيه مجد الطبيعة مع مجد وجهها الآخر، الكامن وراء الطبيعة، متمثّلاً في تماهي الحرية مع الحقيقة بوصفهما وجهان لعملة واحدة؟

يحدث هذا ببنود العقد اللئيم المبرم بين السياسة والأيديولوجيا، للأخذ بيد كل ما من شأنه أن يسفّه القيم، ويبلبل فينا الضمير، ضماناً لخلط الحابل بالنابل، تيسيراً لرسالة الطاغوت في تحقيق الهيمنة على عالمنا البائس الذي إذا كان قد أنجز بالأمس شيئاً بالدعوة لفصل الدين عن الدولة، فما أجدره اليوم بأن ينادي بضرورة فصل الدين عن الأيديولوجيا، سيّما بعد أن صارت التقنية حقلاً خصباً لا لترويج الكذب وحسب، ولكن لتسويق الجريمة أيضاً، لتغدو عملاً مباحاً أيضاً إلى جانب الكذب. فإذا أضحت التقنية ثوباً مدنّساً بسَمّ الأكذوبة، لتغترب عن هويّتها الشعرية، الكامنة في الأرومة، فإن الأدب أيضاً صار ضحيّة النزعة الأيديولوجية، كما الدِّين تماماً، لتغترب فيه روح الحقيقة: الحقيقة المعادية بالسليقة لنزعة مميتة كالاحتكار. فطوبى، ثمّ طوبى، لروحٍ موسّمةٍ بنياشين تلك الأسطورة التي لا تكفّ عن التّغنّي بحياة تتنفّس برئة الشِّعْر، مستجيرةً بتلابيب الإيمان: الإيمان بمواهب جمالٍ فيه خلاص العالم، وعبقرية مُريد الحرية الذي يبدع، بفصوص الحبّ، فسيفساء الحلم الذي سيستعيد، من رحاب البُعْد المفقود، حقيقتنا الضائعة، لتعود غنيمةً تعزّي وجودنا في صحراء هذا العالم.

سالو (كاتالونيا) السواحل الشرقية لشبه الجزيرة الإيبيرية.

فبراير 2016