سليم اللوزي يكتب: أنا لا أعرف شيماء الصباغ*

 

أنا لا أعرف شيماء الصباغ. أنا أعرف كل من حولها، أعرف ذاك الشاب الذي يرتدي قميصا برتقاليا، هو "مصر"، "مصر" التي لا ترضى ان يقع ابناؤها ارضا، فترفعهم إلى السماء، وتحميهم من تكالب من حولهم، هو "مصر" التي سترت عريّ الفتاة التي سحلها العسكر قبيل تنحي المخلوع حسني مبارك، هو "مصر" التي قدمت عيونها وقبلت بالعتمة من أجل أن يرف علم بلادها في محمد محمود، هو "مصر" التي حمت المصلين في جمعة الرحيل من جنون العسكر ومدرعاتهم ونارهم ومائهم.

أنا لا أعرف شيماء الصباغ. أنا أعرف كل من حولها، اولئك الذين رفضوا ان يرفعوها إلى السماء، حين خارت قواها، حين اخترقت الرصاصات جسدها ورأسها، حين سكب دمها البارد على الأرض، حين فقدت القدرة على الوقوف، ورفضت أن تركع مقابل أن تعيش، فقررت أن تموت وهي واقفة. أعرف اولئك الذئاب، الذين وقفوا يتفرجون عليها، يراقبون سقوطها، يستلذون بانهائها. بائس من يظن أنها انتهت، هي بدأت للتو، هي خالد سعيد والشيخ عماد عفت، هي عيون أحمد حرارة، ونبض كل من وقف بوجه العسكر ومن خان الثورة.

أنا لا أعرف شيماء الصباغ. أنا أعرف كل من حولها، اولئك العسكر، الذين يطلقون النار على المسالمين، على العزّل، على المدنيين، على المتظاهرين. أولئك الذين قنصوا عيون الثوار في محمد محمود، والذين سحلوا الثوار على كوبري النيل، والذين اطلقوا خراطيم ماء مدرعاتهم في التحرير، الذين عذبوا المساجين، وتعاملوا مع البلطجية، وفتحوا لهم ابواب السجن، وزودوهم بالسلاح، اولئك الذين يسجدون للطاغية الكبير، ويتناسون أنهم ابناء هذه الطائفة، طائفة المستضعفين، الذين يسحلهم النظام من أجل مصالحه، فيتحولون إلى وحوش من أجل إرضاء طاغية.

أنا لا أعرف شيماء الصباغ. أنا أعرف كل من حولها، أعرف أن الصحف التي نعتها كشهيدة، هي صحف مصر، وأعرف ان من سأل بخبث "هيّ إيه اللي ودّاها هناك"، ليست بصحف، إنما أوراق أرخص من ثمن حبرها الذي يلتصق بها، أعرف ان رفاقها في النضال، الذين نعوها، هم ابناء مصر، اما اولئك الذين شمتوا بموتها، فهم ليسوا ابناء، مصر، هم "الطلقاء" الذين غيروا دينهم حين حشروا، وبايعوا القوي على حساب الضعيف. مصر لا تحمل في احشائها، بقايا بشر، مصر تحمل في احشائهم مصريين بشر.

استوقفتني تغريدة للشاعر الفلسطيني "مريد البرغوثي" قال فيها: "قال لي بوقاحة "هيّ إيه اللي ودّاها هناك"؟ أجبته: الشرف. إن كنتَ تعرفه!"، إنه فعلا الشرف، الذي دفعنا إلى حتفنا!

 

** نُشر المقال لأول مرة على بوابة الأهرام المصرية.